العودة إلى العمل بعد ولادة الطفل تمثّل غالبًا انتقالًا عاطفيًا، خصوصًا بالنسبة للأمهات الراغبات في مواصلة الرضاعة الطبيعية. بين ضغوطات الجدول الزمني، التحديات اللوجستية، التعب، والضغوط الاجتماعية، قد يبدو استمرار الرضاعة أمرًا معقدًا.
ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أنه من خلال التخطيط الجيد، والدعم المناسب، واستخدام الأدوات الملائمة، فإن الأمر لا يكون ممكنًا فحسب، بل مفيدًا أيضًا للأم، والطفل، بل وحتى لصاحب العمل.
الرضاعة الطبيعية والعودة إلى العمل: توازن ممكن
توصي منظمة الصحة العالمية واليونيسف بالرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى، مع الاستمرار حتى عمر السنتين أو أكثر بالتوازي مع إدخال الأطعمة التكميلية. العودة إلى العمل لا تتعارض مع هذه التوصيات.
وقد أظهرت الدراسات أن مواصلة الرضاعة بعد العودة إلى العمل تُقلّل من خطر الإصابة بالعدوى لدى الطفل، وتعزز الترابط العاطفي، وتساعد العديد من الأمهات على التعامل بشكل أفضل مع الانفصال اليومي.
ما تقوله الدراسات عن الرضاعة الممتدة
- للرضيع: حتى الرضاعة الجزئية توفّر الأجسام المضادة، والأحماض الدهنية الأساسية، والدعم المناعي، كما تقلل من خطر الإصابة بالتهابات الأذن، والتهابات الجهاز الهضمي، وأمراض الجهاز التنفسي.
- للأم: تقلّل من خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان (سرطان الثدي والمبيض)، وتُساهم في توازن الهرمونات، وقد تحسن الصحة النفسية خلال مرحلة العودة إلى العمل.
- للمجتمع: الأطفال الذين يرضعون يصابون بالأمراض بشكل أقل، مما قد يقلل من غياب الأهل عن العمل وبعض التكاليف على أصحاب العمل.
كيفية التحضير للعودة إلى العمل: خطوات أساسية
قبل العودة
يُنصح بالبدء في ضخ الحليب قبل العودة إلى العمل بأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من أجل:
- تعويد الطفل على الزجاجة أو وسيلة تغذية بديلة.
- تكوين مخزون صغير من الحليب.
- التعود على استخدام مضخة الحليب من حيث الاختيار والراحة والمدة.
النقاش مع صاحب العمل
في العديد من البلدان، ينص القانون على فترات راحة للرضاعة خلال العمل، غالبًا ما تكون حوالي ساعة يوميًا تُقسَّم إلى فترتين، خلال السنة الأولى من عمر الطفل. حتى لو لم يكن هناك تنظيم رسمي، فإن الحوار باحترام ووضوح يمكن أن يسهّل التخطيط.
اختيار الأدوات المناسبة
مضخة الحليب الهادئة، المحمولة، والسرية يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا. النماذج القابلة للارتداء وحرّة اليدين التي توضع داخل حمالة الصدر تمكّن الأمهات من ضخ الحليب براحة أكبر، حتى أثناء فترات الاستراحة أو العمل من المنزل.
من الخصائص التي يُوصى بها عادة:
- الضخ المزدوج لتوفير الوقت.
- مستوى ضوضاء منخفض.
- سهولة التنظيف.
- تصميم مدمج أو حرّ اليدين.
إنشاء روتين للضخ خلال العمل
ليس من الضروري تكرار جدول الرضاعة تمامًا. الضخ كل ثلاث إلى أربع ساعات يكون غالبًا كافيًا للحفاظ على إنتاج الحليب.
- جلسة صباحية قبل مغادرة المنزل.
- جلسة أو جلستان في العمل.
- الرضاعة فور العودة إلى المنزل، بالإضافة إلى الرضاعة حسب الطلب ليلًا وفي عطلات نهاية الأسبوع.
بعض الأمهات يفضلن الضخ مرة واحدة يوميًا فقط والاستمرار في الرضاعة المباشرة خارج أوقات العمل. يمكن تكييف الروتين حسب احتياجات الأم والطفل.
تخزين ونقل الحليب
استخدام حقيبة معزولة حراريًا مع عبوة ثلج يساعد على حفظ الحليب المُضخ بأمان طوال اليوم. عند العودة إلى المنزل، يمكن تبريد الحليب أو تجميده.
- حتى 4 ساعات في درجة حرارة الغرفة المعتدلة.
- حتى 4 أيام في الثلاجة.
- حتى 6 أشهر في الفريزر.
الجانب العاطفي والضغط المجتمعي
العودة إلى العمل مع الاستمرار في الرضاعة قد ترافقها تعليقات، تعب، أو شعور بالعزلة. من المفيد الحديث عن الأمر، وبناء شبكة دعم، وطلب المساعدة عند الحاجة مثل مستشارات الرضاعة أو مجموعات الأمهات أو أطباء أطفال داعمين.
بعض الأمهات يوقفن الرضاعة عند العودة للعمل، وأخريات يواصلن الرضاعة صباحًا ومساءً فقط، وبعضهن يضخن الحليب في العمل لعدة أشهر. لا توجد طريقة صحيحة أو خاطئة، المهم ما يناسب الأم وطفلها.
نصائح عملية مبنية على الأدلة
- ابدئي بالضخ قبل العودة إلى العمل.
- اختاري مضخة مريحة ومناسبة.
- كوني مرنة لأن الروتين قد يتغير.
- اهتمي بالراحة والخصوصية في حياتك اليومية.
- ثقي بقدرة جسمك على التكيّف.
- اطلبي المساعدة عند الحاجة.
المصادر العلمية
- منظمة الصحة العالمية واليونيسف (2023). توصيات الرضاعة الطبيعية.
- Victora CG et al. (2016). Breastfeeding in the 21st century. The Lancet.
- Bartick M et al. (2013). The impact of paid maternity leave on breastfeeding. Pediatrics.
- Kent JC et al. (2012). Effect of breast pump type on milk production. Journal of Human Lactation.
- Johns Hopkins Medicine. (2021). Working and Breastfeeding.
- Mirkovic KR et al. (2014). Barriers to workplace support for breastfeeding. Journal of Human Lactation.
- Academy of Breastfeeding Medicine. (2017). Clinical Protocol #8.
